الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
42
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المفهوم ، فيكون المراد بشفاء الصدور ما يحصل من المسرّة والانشراح بالنصر ، والمراد بذهاب الغيظ استراحتهم من تعب الغيظ ، وتحرّق الحقد . وضمير قلوبهم عائد إلى قوم مؤمنين فهم موعودون بالأمرين : شفاء صدورهم من عدوهم ، وذهاب غيظ قلوبهم على نكث الذين نكثوا عهدهم . والغيظ : الغضب المشوب بإرادة الانتقام ، وتقدّم في قوله تعالى : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ في سورة آل عمران [ 119 ] . وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . جملة ابتدائية مستأنفة ، لأنّه ابتداء كلام ليس ممّا يترتب على الأمر بالقتال ، بل لذكر من لم يقتلوا ، ولذلك جاء الفعل فيها مرفوعا ، فدلّ هذا النظم على أنّها راجعة إلى قوم آخرين ، وهم المشركون الذين خانوا وغدروا ، ولم يقتلوا ، بل أسلموا من قبل هذا الأمر أو بعده . وتوبة اللّه عليهم : هي قبول إسلامهم أو دخولهم فيه ، وفي هذا إعذار وإمهال لمن تأخّر . وإنّما لم تفصل الجملة : للإشارة إلى أنّ مضمونها من بقية أحوال المشركين ، فناسب انتظامها مع ما قبلها . فقد تاب اللّه على أبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسليم بن أبي عمرو ( ذكر هذا الثالث القرطبي ولم أقف على اسمه في الصحابة ) . والتذييل بجملة وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لإفادة أنّ اللّه يعامل الناس بما يعلم من نياتهم ، وأنّه حكيم لا يأمر إلا بما فيه تحقيق الحكمة ، فوجب على الناس امتثال أوامره ، وأنّه يقبل توبة من تاب إليه تكثيرا للصلاح . [ 16 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 16 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 ) أَمْ منقطعة لإفادة الإضراب عن غرض من الكلام للانتقال إلى غرض آخر . والكلام بعد أَمْ المنقطعة له حكم الاستفهام دائما ، فقوله : حَسِبْتُمْ في قوة ( أحسبتم ) والاستفهام المقدّر إنكاري . والخطاب للمسلمين ، على تفاوت مراتبهم في مدّة إسلامهم ، فشمل المنافقين لأنّهم أظهروا الإسلام . وحسبتم : ظننتم . ومصدر حسب ، بمعنى ظنّ الحسبان - بكسر الحاء - فأمّا مصدر